في إحدى مجموعات نادي العقل جلس أمامي طالب في السنة الثانية من الجامعة، التعب كان واضحًا في عينيه
سألته بهدوء:
كيف تذاكر عادة؟
ابتسم ابتسامة فيها استسلام وقال:
أفتح الكتاب، أقرأ سطرين، أضيع… أروح للموبايل… أرجع للكتاب… أعيد نفس السطر أكثر من مرة… وفي النهاية لا أفهم ولا أشعر أن عقلي يتحمل
هذه الجملة سمعتها كثيرًا من طلاب مختلفين
الطالب يظن أن المشكلة في قدرته العقلية
لكن من زاوية مختص في تنشيط العقل، المشكلة الحقيقية في طريقة تشغيل العقل أثناء القراءة
العقل ليس ضعيفًا كما يتخيّل الطالب
العقل قوي وسريع
لكن طريقة القراءة التقليدية تجبره أن يتحرك بسرعة أقل بكثير من طاقته
فتخنق انتباهه وتجعله يهرب إلى التشتت
من هنا بدأت أطبّق مع طلابي طريقة خاصة في القراءة السريعة
ليست استعراضًا، بل نظامًا عمليًا لتشغيل الدماغ بكامل طاقته أثناء الدراسة
ما المقصود بهذه الطريقة في القراءة السريعة؟
أنا لا أتعامل مع القراءة السريعة كعرض أو رقم
لا يهمني أن يقول الطالب: “قرأت كتابًا في ساعة”
المهم عندي شيء آخر:
هل فهم؟
هل حفظ؟
هل خرج بفائدة يمكنه تطبيقها؟
لذلك عندما أقول “قراءة سريعة” أقصد 3 أشياء معًا:
تنشيط العقل قبل بدء القراءة بدل الدخول على الكتاب بعقل متعب
رفع سرعة التلقّي بما يناسب سرعة معالجة الدماغ حتى لا يشعر بالملل
ربط السرعة بالمعنى بحيث تتحول القراءة إلى فهم حقيقي وليس مرور عيون على الكلمات
بهذا الشكل
يتحوّل وقت الدراسة من معركة مع النعاس إلى جلسة أداء عقلي أعلى وأكثر هدوءًا
لماذا الطريقة التقليدية في القراءة متعبة لعقلك؟
أغلب الطلاب يقرأون هكذا:
سطر… سطر… سطر
حركة بطيئة للعين من أول السطر إلى آخره
رجوع متكرر لنفس الجملة
توقفات مستمرة بسبب الموبايل أو الشرود
من وجهة نظر علم الأعصاب هذا يعني:
إيقاع بطيء جدًا مقارنة بسرعة عمل الدماغ
تقطيع متكرر لمسار الانتباه
ارتباط سلبي بين “الكتاب” و”التعب” في ذاكرة الطالب
العقل في هذه الحالة يبدأ يرسل رسالة واضحة:
“لا أريد أن أعيش هذه التجربة مرة أخرى”
فيتهرّب
مرة إلى الهاتف
مرة إلى الخيال
ومرة إلى جملة قاسية يكررها الطالب مع نفسه: “أنا لا أفهم”
بينما الحقيقة مختلفة تمامًا:
طريقة القراءة هي التي لا تحترم طبيعة العقل
وهنا يأتي دور نظام قراءة سريعة منظم لتنشيط العقل أثناء الدراسة
النظام الذي أطبّقه مع طلابي: 4 مراحل لتشغيل الدماغ أثناء القراءة
1) تهيئة العقل قبل لمس الكتاب
أكثر خطأ شائع هو أن تفتح الكتاب مباشرة وأنت:
مجهد
متوتر
أو قادم من تصفح عشوائي في الهاتف
قبل 5 دقائق من المذاكرة اطبق هذه الخطوات:
اجلس في مكان ثابت وهادئ قدر الإمكان
خذ نفسًا عميقًا وبطيئًا 5 مرات
اختر فقرة قصيرة من كتاب خفيف أو من نفس المادة
اقرأ الفقرة بسرعة عادية مرة واحدة
أعد قراءتها مرة ثانية بسرعة أعلى قليلًا مع التركيز على الفهم
هذا تمرين بسيط لكنه مهم
يقوم بدور “زر التشغيل”
ينقل الدماغ من وضع التشتت إلى وضع الاستقبال النشط
2) تقسيم الصفحة إلى وحدات بدل قراءة سطر بسطر
العقل لا يحب التعامل مع نص طويل متصل
يفضّل أن يرى وحدات واضحة من المعلومات
لذلك أطلب من الطالب أن يغيّر طريقة نظره للصفحة:
بدل أن يرى الصفحة = 30 سطرًا
نعتبرها = 7–10 وحدات
كل وحدة = 3 أو 4 سطور تُقرأ كفقرة واحدة
عمليًا:
قبل أن يبدأ، يمرّر عينه سريعًا على الصفحة
يحدد وحداته: كل 3–4 سطور = وحدة
أثناء القراءة، يركّز نظرة واحدة تقريبًا في منتصف الوحدة
يترك لمجال الرؤية الجانبية أن يلتقط بقية الكلمات في الأطراف
في البداية، يشعر الطالب أن الأمر غريب
لكن بعد بضعة أيام من التدريب
يبدأ يلاحظ:
أن عينيه تتحرك أقل
أن قراءته أسرع
وأنه يمسك الفكرة الأساسية لكل جزء بسهولة أكبر
هنا نكون فعليًا قد بدأنا تنشيط العقل أثناء القراءة
بدل إرهاقه بحركة بطيئة ومشتتة
3) إيقاف عادة الرجوع المستمر لنفس السطر
من أكثر الأشياء التي تدمّر التركيز
أن يرجع الطالب لنفس السطر 3 و4 و5 مرات
أسمي هذا مع طلابي:
“نزيف الانتباه”
لذلك نضع قاعدة بسيطة وواضحة:
ما تقرأه مرة… لا تعُد إليه مباشرة
التطبيق:
تقرأ الوحدة
إن شعرت أن الفهم ليس كاملاً
لا ترجع فورًا
ضع إشارة صغيرة بجانب الفقرة
أكمل الصفحة أو الصفحتين
وفي وقت المراجعة تعود إلى الأجزاء التي وضعت عليها إشارة
بهذا نحقق نتيجتين:
نحمي مسار الانتباه من التقطيع
ندرّب العقل أن يأخذ القراءة “بجدية” من المرة الأولى، لأنه يعرف أنه لن يحصل على فرصة إعادة فورية
4) تثبيت المعنى: من سرعة القراءة إلى سرعة الفهم
لا قيمة لأي حديث عن السرعة إذا لم يرتفع مستوى الفهم
لهذا أضيف خطوة ثابتة مع طلابي بعد كل صفحتين أو ثلاث:
أطلب منه أن يجيب عن 3 أسئلة بسيطة:
ما الفكرة الأساسية التي يريد هذا الجزء أن يوصلها؟
ما أهم 3 نقاط خرجت بها من هذا الجزء؟
لو طلب منك صديق أن تشرح له هذا الجزء في دقيقة واحدة، ماذا ستقول؟
هذه الأسئلة تحرك أكثر من منطقة في المخ:
مناطق الفهم
مناطق التلخيص
ومناطق استرجاع المعلومات
والنتيجة:
القراءة لا تبقى مجرّد حركة عين
بل تتحول إلى تشغيل حقيقي لشبكات الفهم والذاكرة في الدماغ
مثال: كيف يبدو هذا النظام في جلسة مذاكرة واحدة؟
لنفترض أن لديك جلسة دراسة مدتها 45 دقيقة
يمكن تطبيق النظام هكذا:
5 دقائق تهيئة عقلية
تنفس عميق
تمرين فقرة قصيرة بسرعة أعلى من المعتاد
30 دقيقة قراءة بنظام الوحدات
تقسيم كل صفحة إلى وحدات
قراءة كل وحدة كنص واحد
منع الرجوع المباشر
وضع إشارة على الأجزاء الصعبة
10 دقائق تثبيت معنى
كتابة أو قول الفكرة الأساسية
استخراج 3 نقاط مهمة
تخيل أنك تشرح ما قرأته لشخص آخر
بهذه البساطة نكون قد:
شغّلنا العقل قبل القراءة
حافظنا على الانتباه أثناء القراءة
وثبّتنا المعنى بعد القراءة
وهكذا يتحول وقت الدراسة إلى مساحة حقيقية لـ تنشيط العقل وليس مجرد تعب ذهني بلا نتيجة
المهارة التي ركّزنا عليها في هذا المقال
كل ما تحدثنا عنه هنا يدور حول مهارة واحدة أساسية من مهارات تنشيط العقل:
القراءة السريعة العلمية والمنظمة
هذه المهارة لو طُبقت بالشكل الصحيح يمكن أن:
ترفع سرعتك في قراءة الكتب والملازم
تقلل التشتت والرجوع المستمر لنفس السطر
تخفّف التعب الذهني بعد المذاكرة
وتُشعرك أن عقلك بدأ يعمل معك… لا ضدك
لكن داخل نادي العقل لا نكتفي بتدريب هذه المهارة وحدها
لأن العقل يحتاج إلى نظام متكامل، لا قطعة واحدة فقط
لذلك ندمج القراءة السريعة مع أربع مهارات أخرى تعمل معًا، وهي:
القراءة السريعة
الخرائط الذهنية
برمجة العادات
الرياضات العقلية
برمجة التركيز والانتباه
إذا كنت مهتمًا أن تتعلم هذه الطريقة في القراءة السريعة كأداة لتنشيط عقلك أثناء الدراسة
فنحن نقدّم لك فرصة أن تتعلم هذه المهارة
إلى جانب أربع مهارات أخرى داخل برنامج واحد متكامل
برنامج هدفه أن ينقل عقلك خطوة خطوة
من حالة التشتت والتعب
إلى حالة التركيز، الفهم، والإنجاز…
حتى تصل لمرحلة تقول فيها بثقة:
عقلي الآن يعمل كما يجب.
میانگین امتیاز 0 / 5. تعداد آرا: 0



